الخميس، 11 فبراير 2016

فاقدُ الشيء يُعطيه

لا زلت أذكر جيدًا عندما كنتُ في العاشرة من عمري، اليوم في مُنتصفه ، ها قد رنّ جرس الحصة الرابعة وارتجفَ قلبي معه، لأنها مع الأسف كانت حصة فنية!
توجهت إلى الفصل، أخرجت كراستي التي يغلبها البياض إلا من بعض الرسومات العشوائية التي تحكي محاولاتي الفاشلة في رسمها، تحكي عن دموعي الناجمة عن جهلي بتناسق الألوان فقد كان اللون الأخضر يضفي جمالاً إلى اللون القرمزي في  نظري، أيضًا تحكي عن توسلاتي لأمي الحبيبة -التي كرّست حياتها لدراسة نواتج المعادلات وآخر النظريات العلمية- أن ترسم لي شيئًا كما يفعلنَ أمهات أقراني في الصف ولكن بلا جدوى فهي ودّعت هذه الحكايا منذ زمن، شعرتُ بعجزٍ مُميت، وتمنّيت آلاف المرات لو أن لي أختًا تكبُرني سنًا ، وقطعتُ الأيمان أني لن أجعل إخوتي الذين يصغرونني سنًا أن يشعروا مثقال ذرة بما شعرتُ به، وآمنتُ بأنّ "فاقد الشيء يُعطيه".

بخطواتٍ وجلة، ووجهٍ يكاد يأكله الخجل، احتضنتُ كراستي جيدًا لأخبئ ما عجز بيكاسو عن فهمه، توجهتُ إلى معلمتي فقد حان وقتُ التقييم، أخذت تُقلّب دفتري، تارةَ تعقد حاجبيها وتارة تقارنه بعمل الأخريات لتقول لي: "بالله هذا رسم يا فاطمة؟ شوفي رسومات صديقتك كيف تهبّل!"
ابتسمتُ لصديقتي الموهوبة التي نُقش على كراستها أجمل عبارات التشجيع والثناء والتقدير بعكس كراستي التي لم تحظى بشيء يذكر، اوه! لقد كُتب تاريخ ذاك اليوم بالقلم الأحمر كإثبات حضور فقط.

لا أعلم كيف تزاحم الدمع في قلبي قبل عيني وقتها لكنّي بدأتُ بمواساةِ نفسي وبدأتُ بتذكر أبي الغالي الذي جعل إحدى رسوماتي الركيكة تصل إلى جدار مكتب في سابك حيث اعتلت رسمتي جدار مكتب أبي، الذي كان يتحرّى التساؤلات التي تملأُ نظرات زملاءه في العمل ليُجيب بكل فخر:  "تراها رسمة بنتي!"

ما جعلني أسترجع هذه الذكرى السقيمة هم إخوتي الذين أخذوا يعيدون طفولتي أمامي، هاقد اصطفّ كلٌ منهم حاملاً كراسته متوجهًا إليّ -كما كنت أتوجه لأمي في تلك الأيام- لا فرق سوى أنّه جاء الوقت لأستقبلهم وأنا بكامل ثقتي أن يداي ستُبدي ملموسًا فنيًا على الورق، سأصنع شيئًا مختلفًا، شيئا لا يُشبه ما كانت تحتويه كراستي .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق